الاثنين، 4 يونيو 2018

البحث عن المدينة الفاضلة

بعد يوم مرهق في مكتبي عدت لمنزلي والتعب أخذ مني مأخذه
غسلت وجهي ورحت أتأمل ملامحي لم تتغير نظراتي الطفولية رغم أني دخلت الثالث والعشرين من عمري
جففت وجهي الحنطي اللون و رتبت شعري الأسود متوسط الطول وجمعته في رباط أحمر للخلف،رمقت مكتبتي بعيني البندقيتان اللتان ورثت لونهما عن أبي وابتسمت لها فهي رفيقتي الوفية،
وفي المساء بعد أن أنهيت طباعة جزء من كتابي الذي أتحدث من خلاله عن آخر تطورات العالم في حاسوبي النقال، تناولت منها قصة قصيرة كنوع من التغيير الروتيني الممل بين المنزل والعمل
داعب مقلتي النعاس فرفضته أريد أن أعرف ماذا حدث لهذه الأميرة الحسناء مع الجنية
ولكن كما يقال _ النوم سلطان لا يقاوم_ فأخذتني سِنة ٌدون أن أدرك حتى.

لم ألبث أن نهضت فزعة على صوت عواء وكأنه قرب نافذتي، فتحت عيني عن آخرهما والظلام طمس على الأشياء
راحت تخامر عقلي أسئلة كثيرة
هل يعقل أنه ذئب ؟من أين أتى  للمدينة ؟، وكيف دخل؟، كيف ولج من بين أسوار منزلي،وكيف وصل إلى هنا؟
تحسست جسدي الذي ارتعش برداً فإذ بي أستشعر بشيء تحتي ليس فراشي نهضت وجلة استكشف حولي بدهشة وبداخلي رعب كبير
وجدت نفسي داخل غابة وسط الليل البهيم، والقمر بالكاد ينير حولي فقد استتر نصفه خلف السحاب وصلتني رائحة عشب وصوت نعيب وعواء وصرير الجداجد الليلية،صرخت صرخة مكتومة داخلي

أهتزُ كزلزال يضرب البسيطة.
منذ برهة كنت أتسائل كيف وصل الذئب إلينا، والآن يراودني سؤال عقيم كيف وصلت أنا إلى هنا؟!هل سرت في نومي وخرجت هائمةً على وجهي حتى الغابة التي تبعد آلاف الكيلو مترات عن المدينة التي يقبع منزلي في وسطها تماماً؟.
أم هل اقتحم أحدهم بيتنا وخطفني ؟ إذاً أين خاطفي لما تركني وسط المجهول ومضى؟!
ألف إشارة استفهام حولي ولا إجابة  

قاومت هلعي والبرد ورحت ألتمس الطريق بعد أن انقشعت الغيوم عن القمر وأنار جزءً من المكان،كل ما حولي أشجار وظلام مترامي الأطراف .
وبينما أسير كمن تجتاز مغارة بحذر وخوف،أجفلني نعيب البوم وخفق جناحيه وهو يطير للبعيد
تنهدت واضعةً يدي على صدري فقد كاد أن يسقط قلبي من الفزع
شعرت بحركة بين الحشائش الطويلة الموجودة تحت الضوء الباهت و صوت زمجرة تصدر من ورائها لاحت ملامحه الشرسة حين أطل كلب برأسه الأسود والزبد يخرج من فمه وقد برزت أنيابه وعيناه تتوهج في الظلام كجمرات صغيرة، يستعد للهجوم على فريسته التي يظنها أنا
اندفعت أركض صارخةً طالبةً للنجدة ولا مجيب.
زلت قدمي وسقطت على وجهي جرحت ساقي قليلاً ويدي جرحٌ بليغ.
جذبت رائحة الدماء المتقاطرة مابقي من قطيع الكلاب البرية إليّ، فاستندت إلى جذع الشجرة أحمي ظهري

أصبحت محاصرة بين هذه المخلوقات الشرهة للحمي، ودمائي النازفة تزيد من شهيتها
هم أحدهم واندفع بكل قوة وكاد أن يسطو بي والذعر شل حركتي، لابد وأنها قد شحبت ملامحي فقد شعرت بالدماء تتجمد في عروقي وتيبست أطرافي فإذا به يخر صريعاً قرب قدمي نتيجة سهم انغرس بين عينيه تماما،ًبلمح البصر حال بيني وبينهم شخص طويل القامة عريض المنكبين

بضع غيوم لازالت تسبح في السماء غطت النور من جديد فلم أعد أتبين شيئاً، كل ما يصلني هو زمجرة الكلاب وحفيف الأشجار ووقع خطوات هذا الشخص وصوت غريب يصدره بين حين وآخر  سألني بصوت رجولي
"هل أنت بخير يا آنسة ؟!"
فأجبته وصوتي يرتعش اني بخير

ازداد إصرار الوحوش للحصول على وجبتهم واندفعت تحاول الوثوب علينا فاستل سيفه من وراء ظهره مهاجماً بحركة فرسان سريعة،انطلق يلوح به ببراعة، فراحت الحيوانات تسقط الواحد تلو الآخر مضجرة بدمائها والليل ينزح عن الأفق بملل بينما الشمس تعلن إستيقاظها لتشرق وتنير المكان حولي رويداً رويدا وبدأت تتوضح لي الرؤية
أول ما لفت نظري هو لون شعره الأبيض الطويل ينسدل على كتفيه لمنتصف ظهره، كنت أشاهد ما يحدث والأسئلة الماضية تدور في خلدي
كيف وصلت أنا إلى هنا؟ بل أين أنا؟!
قطع شرودي صوت أصدره مجدداً هذا الرجل الذي يعطيني ظهره منذ ظهوره كزمجرة الكلاب فخنعت وطأطأت رأسها وانسحب ما بقي منها على قيد الحياة للبعيد.
إلتفت نحوي لتظهر لي ملامحه
عيون واسعة سوادها أكثر من بياضها و أنف رفيع كأنه أنف أحد آلهة الإغريق ووجه مستدير ببشرة بيضاء جداً بل إن صح قولي بشرة شاحبة، بربيعه الثالث كما قدرت له، أدركت بأنه ليس من بني البشر فراودني سؤال جديد
"هل أنا أحلم!".
تبسم وهو يقترب مني فانتفضت ورحت أصرخ به
"من أنت؟!بل ما أنت؟! "
أجابني بهدوء وهو يبعد يديه للوراء بحركة استسلام
"هدئي من روعك يا آنسة،لا تخافي "
كادت نبضاتي أن تكسر قفصي الصدري ليسقط قلبي منه،رحت أتراجع للوراء محاولةً الهروب، فسقطت مغمياً عليّ

آلمني كل شبر من جسدي حين استعدت وعيي لأجد نفسي في سرير فاخر وفراش وثير
تفحصت المكان بعيني مدهوشة فكل قطعة من الأثاث توحي بالفخامة،وبأن مالك هذا المكان من الأثرياء.
ليحط نظري أخيراً عليه يجلس بجانب سريري بملابسه الغريبة كأحد ملوك الزمن الغابر تظهر منها عضلاته المفتولة.

حاولت النهوض وعقلي يأمرني بالفرار فإذ به يقول بهدوء يبتسم وكأنه قرأ أفكاري
"أنتِ لستِ أسيرة هنا، إن كنتِ تريدين الرحيل بإمكانكِ ذلك؛كل ما أردته هو أن أطمئن أنك بخير"

رحت أزخه بوابل الأسئلة التي كانت تراودني فاكتشفت بأني في مكان  يدعى مملكة الحكايات وأني أزورها دوماً و(باشق) _الشاب الذي ساعدني _ هو ملك هذه الأرض،كان يلمحني أتجول في ربوعها ولديه فضول للتعرف عليّ وعن سبب زياراتي المتكررة   
سألني مستغرباً بعد أن هدأت ثورة توتري
"أنت دوماً تزورين مملكتي تتنقلين بين جبال الحزن وسهول الفرح،تغوصين في بحار الحب وتمرين في وديان الحروف، لمَ دخلتي لغابة الرعب بل ما الذي جذبك لأرض الظلام والخوف؟! ليست المرة الأولى فقد بتي تكررينها
أرجو بأنها لم تسحرك ببهرجها الخداع، وثم ماسبب هذه الزيارات يا آنستي؟"
خفضت رأسي بخيبة لا أجد أي جواب لهذا السؤال المترامي وعقلي يحادثني هل من المعقول أن ما تمر به شعوبنا يدفعني لزيارة غابات الخوف والرعب؟
رفعت وجهي ليقابل وجهه وأنا أقول بغصة
"أبحث عن المدينة الفاضلة"

أجابني متسائلاً
"المدينة الفاضلة؟! لم أسمع بهذا الإسم بين مدن مملكتي أجمع، هل أنت أكيدة بأنها من ضمن مدني؟"
سكتُ ولم أجبه،فأنا حقاً لا أعرف أين تقع هذه المدينة،بل لا علم لي إن كانت موجودة بحق،وماكانت إجابتي هاته إلا عن أمنية مزروعة داخلي بمدينة فيها الحب والسلام أبديان
طال صمتي عن الجواب ففهم بأنه ليس لدي إجابة فعرض عليَّ جولة في بلاده اتعرف من خلالها عليها ولعلي أجد ضالتي

هززت رأسي موافقة بحبور  
وشكرته على كل شيء ثم عرفته عن نفسي وباني أدعى "نايا"  أعمل في الشركة الوطنية للمعلوماتية وحالياً أؤلف كتاباً مهم عن تطور البشرية
انفرجت شفتاه ببسمة لطيفة تظهر من ورائهما لؤلؤيات ناصعة البياض
جعلتني طلاقة وجهه اشعر بالارتياح
استعددت وكلي شوق سعيدةً بهذه البادرة،
فبدأت أشعر بالأمان وانطلقت بصحبته يتبعنا حراسه الخمس وكلي أمل بأن أعثر عليها في هذه المملكة

جال بي أرجائها يعرفني عليها شبراً شبراً ويعرف سكانها عليّ، وجوه طلقة وبشوشة بيوت رغم فخامتها تنعم بالبساطة، أناس طيبة لينة المعشر تتمتع بكل الصفات الحميدة يعيشون جميعهم في تناغم ورغد ورفاه،
سألت نفسي بصوت ٍمسموع
" هل عثرت عليها؟هل هذه هي المدينة الفاضلة؟"
أتتني إجابته تجهض أملي الذي بدأ يشرق
"لا يا نايا؛ صحيح أننا في مملكة الحكايات لا نقبل بالسوء وأهله  نستقبل الطيبين فقط،ومن نجد في داخله بذور الشر ينفون إلى تلك الغابة التي وجدتك فيها ليعيثوا كما يشاؤون بعيداً عن مملكتي،طبعاً ليس الجميع ينفى فنحن نرحب بمن يريد الصلاح لنفسه وتغيرها نحو الأفضل ونساعده في ذلك،ولكن لسنا ما تبحثين عنه مع أني كنت لأرجو أن نكون كذلك"
أمضيت وقت جميل بصحبة باشق
لكن حنيني لأرضي يغلي في صدري علم حاجتي ووعدني بأنه سيدلني على طريق العودة  

أوفى بوعده وأوصلني للدرب الذي سأعود منه إلى بيتي
صافحني وتعاهدنا أن نبقى أصدقاء وبأن نزور بعضنا البعض لو بين حين وآخر
أشار للدرب ولوح لي مودعاً
فجأةً شعرت بالأرض تتزلزل تحتي وساد الظلام واجتاحني قلق كبير
ثم ظهر ضوء قوي طغى على كل شيء وطمسه وحجب عني الرؤية تماماً،تناهى لسمعي صوت أمي تناديني
"يا بُنيتي؛  ستتأخرين عن العمل هيا استيقظي"
فتحت عيوني وأنا أتنفس بسرعةً فائقة وأحاول أن أستعيد نبضات قلبي التي لا زالت تخفق بعنف.
غسلت وجهي وشاهدت ملامحي عبر مرآتي وعقلي لايزال يحتفظ ببقية ذاك الحلم الغريب، ووجه باشق لايفارق مخيلتي بملامحه المميزة

يشاهد الواحد فينا حلم فيتشبث بذاكرته أو ينساه بعد مدة،تختلف فترات النسيان بين شخص وثاني.
أما أنا فقد تعلق في مخيلتي طوال طريقي للعمل،وما أن بدأت أمارس نشاطاتي المعتادة حتى اختفى واندثر من ذاكرتي وغابت صوره.

طالعت جرائد الصباح ولا شيء يسر فيها؛ قتل ودمار وتشريد، أصبحت هذه الحروف محفوظة عن ظهر قلب وسط مجتمعاتنا
فلان مات غدراً؛فلان استشهد البارحة؛حرب هنا وقتال هناك؛ نمر بينها وكأنها أصبحت أمراً إعتياديا.
مالت الشمس للمغيب ونامت خلف الأفق،وسربل الليل وشاحه الأسود المرصع بماسات فضية يتوسطها قنديلٌ مشعٌ دائري الشكل
فأرسل النوم جحافله تحتل مقلتي لأغفو فوق وسادتي وبيدي كتاب أطالعه،سقط حين غرقت في سُهادي ليرتطم بأرضية الغرفة مصدراً صوتاً يكسر سكون المكان فاستيقظت جراءه.

وجدت باشق يقف قرب سريري يحمل بيده كتابي
قرأ عنوانه متعجباً
"أليس في بلاد العجائب؟! هذه المدينة من أحب الأماكن لقلبي من مملكتي أجمع حيث لاشيء فيها معقول وكل شيء غير منطقي، بدءً بأرنب الفصح الأبيض وانتهاءً بأميرة القلوب.
أتدرين؛ حاولت هذه الأميرة استمالتي قبل أن تتزوج ذاك المغفل "
رفع رأسه متفاخراً وأكمل
"لكني قاومت سلطان جمالها وتعففت فتزوجت زوجها الحالي لترضي غرورها"
ثم قهقه بمرح طفولي يمتزج بكبرياء الملوك، وراح يتجول في أركان المكان.

كنت أتابع حركاته في غرفتي مصدومة ولساني يعجز عن الكلام وعقلي يحدثني
"أأنا في حلم جديد؟"
تفحص مكتبتي الكتاب تلو الآخر ويقرأ عناوينهم بصوت مسموع، يبدي دهشته حين يمر على كتاب تاريخي ويبتسم لكتب قصص الحب الطاهر؛ينفر من قصص الحرب والملاحم؛يشمئز من كتب الرعب ويدبر عن كتب قد رسمت حروفها بركاكة.

كنت مشدوهة تماماً أراقب خطواته تقترب من سريري فجلس جانبي يكسر حاجز صمتي وحملقتي
يقول والبسمة لا تفارق وجهه
"لم تزوري أرضنا منذ مدة يا نايا فأتيتك أطمئن عن حالك خشيت أن تكوني مريضةً أو حدث لك مكروه لا سمح الله"
هززت رأسي نفياً وأجبته  
"لا أبداً لم يحدث لي شيء. إنما نحن البشر سريعي النسيان حين أستيقظت نسيت كل ما حدث "
رفع حاجبيه متعجباً وأطلق سؤاله
"أحقاً؟!"
عدلت جلستي وتنهدت وأجبته
"أجل؛النسيان نعمة يا باشق وإلا ازدحمت عقولنا بذكريات الأحلام وعجزت عن استيعاب الواقع "
وقف وسار متجهاً نحو النافذة فتحها وهو يقول
"أليس جميلا ًأن يعيش المرء بين الأحلام"
أجبته بهدوء وأنا أنهض لأقف بجانبه أتأمل معه منظر المدينة الغارقة في جوف الليل
"هو جميل؛ لكن العيش في الأحلام الوردية لن يجعلنا نجد الحلول"
التفت إلي مستغرباً
حلول؟! لأي شيء؟!"
شعرت ببرودة جراء نسمة شتاء قارسة مرت من خلال نافذتي فضممت كفيَّ تحت إبطيَّ وأجبته بحزن
"للواقع."
أغلقَ الشُباك وعاد نحو سريري وجلس عليه وهو يتابع معي الحوار
"وماهو الواقع؟!اسمعي يا نايا لطالما كنت تزورين أرضي وكلي فضول لأتعرف على أرضك لذا.. "
قاطعته سريعاً وقبل أن يكمل كلامه وكأني أريد أن أثنيه عن رغبته هذه وعيوني تراقب الأضواء المتراقصة التي تنبعث من أبنية الحاضرة
"لا أنصحك بهذه المعرفة، فأرضي  ليست كمملكتك؛أرضي الخيرفيها يجاور الشر لا نستطع طرده ونفيه بل علينا التأقلم معه أحياناً"
نهض وعاد أدراجه نحوي وقابلني وجهاً لوجه
"لم أفهم؛كيف ذلك ؟!"
شعرت بنوع من الملل فسأحتاج لعمر بأكمله لأشرح له الجواب، تنهدت وقلت مستسلمة لأمنيته
"حسناً،لن أشرح لك بل سأخذك في جولة لعالمي كما فعلت معي"

خرجت من غرفتي لأخرى أستعد للرحلة، وحين عدت وجدته يقلب صفحات رواية تحمل عنوان _المدينة الفاضلة_ أغلق الكتاب ورفعه يشير للعنوان بسبباته وكله دهشة
"أوليست ما تبحثين عنه؟!"
تبسمت في وجهه وجذبت الكتاب وقلت وأنا أعيده لمكانه أرمقه وكأنه كنزي الثمين،أجبته بنوع من الجفاء
"إنها على الأوراق فقط؛بين الروايات و في أحلام بعض البشر أمثالي"
استغرب من جوابي الجاف
"وقال لمَ لا تحققون هذه الأحلام؟! "
جذبته من ذراعه وسرت به  
"ستعرف بعد قليل،ولكن قبل أن نمضي دعني أخبرك بأن لعالمي وجهان"
أخذته بين الأبنية الشاهقة الإرتفاع والأبراج التي تناطح السحاب بدأً من مدينة نيويورك حتى العاصمة دبي مروراً بجدة واليابان، نزهته في جزر هاواي ومانولو، شرحت له عن الأكروبوليس في أثينا وعن أهرامات مصر، وكيف تم صنع برج إيفل ومتى،وعن البتراء التي بناها الأنباط في صدر الجبل،أريته كنيسة القيامة والمسجد الأقصى،وقبة الصخرة والكعبة المشرفة.
كان يطالع الأماكن بنظرات دهشة وإعجاب ختمت رحلتنا بقولي  
"هذه المدن المتحضرة هي الوجه الأول لجولتنا "
إلتفت نحوي وقد استرعت انتباهه كلماتي فلمح بيدي هاتفي النقال جذبه من يدي يسألني
"ماهذا؟!"
تبسمت وقلت هذا أحد أهم اكتشافات عالم التكنولوجيا الحديث الهاتف الذكي  من خلاله نتواصل مع من غربتهم الظروف، نطمئن عن الأصدقاء، نرتاح من عبء الآلام بتصفح عالم الأنترنيت فيه، أو نظهر إبداعاتنا بنشر ما يخامر عقولنا من خواطر وكلمات فوق جدران التطبيقات كالفيس بوك وأمثاله "
شرحت له عنه وهو يقلبه بين يديه فاصدر رنين يعلن وصول رسالة، أعاده لي سريعا متبرماً وقال
"لم أحب السيد هاتف هذا؛ فقد أخبرني لتوه أنه فرق العائلة الواحدة فأصبحت الحروف بديل للحوار بين الأفراد وأصبحت العلاقات الغير شريعة تحاك من خلاله فدمرت أُسراً كثيرة،وعرّى البيوت من أسرارها،وبسببه أصبحت جدران المنازل شفافة فيرى من خلالها مطعمكم وملبسكم ،وأولادكم،حتى لم يخفى على الأخرين بفضله أماكن تنزهكم "
تبسمت ساخرة وقلت
"إنه محق حتى أجهزتنا المعاصرة ذات وجهين فهي تمتثل لأوامر النفس البشرية إما الصالحة وإما الطالحة ، دعنا نمضي لدينا الكثير بعد
أنظر لتلك القوارب التي يمتلكها شخص أو اثنان لربما امتلكتها عائلة تقيم على متنها الحفلات الماجنة بإسراف وبذخ غير عابئة بأنين المستضعفين في الكون لا أقول جميعهم هكذا تعال معي لأريك"

جذبته من وسط جمع على متن أحد اليخوت فقد لفتت انتباهه الراقصات بملابسهنّ الغير محتشمة تظهر أكثر مما تخفي
"أنظر إلى تلك الجمعيات الخيرية وما تقدمه من مساعدات إنسانية للأخرين"
استدار نحوي سريعاً يقاطع كلامي مستغرباً
"وما حاجتكم لها أوليس كل شعبكم بنفس المستوى المعيشي كشعبي؟ "
نفيت بحركة من رأسي وأنا أشعر بالأسى
"لا للأسف؛ففي عالمي هناك درجات متفاوتة إما الغني وإما الفقير وهناك ما بينهما "
سكتَ لبرهة وراح يتأمل المدينة بأضوائها وصخبها؛حركات المارة والسيارت المسرعة؛أصوات الموسيقى الصادرة من هنا وهناك والناس تعيش الأمان وتنام بسلام  .
أبعد السكون بسؤال جديد
"قلت أن لعالمك جانبان فماهو الجانب الأخر؟ فهذا الجانب جميل فيه كل أنواع الراحة والرفاهية"
أشرت له ليمضي معي فامتثل لطلبي سرنا بين البيوت وتعرف على بضع من أنواع البشر قابلناهم في الطريق حتى وصلنا لأطراف وادي ٍكبير وجهت له كلماتي بتحذير
"هنا وفي هذا المكان سر بحذر وانتبه لخطواتك جيداً فها نحن وصلنا في جولتنا إلى أرض شوهاء المعالم"
جال بنظره ليرى مدن مشوهة البنيان بيوتها من إسمنت محترق، ودخان يتصاعد من كل مكان، مخربة العمران مهجورة السكان تقريباً، ينتشر العكسر فيها انتشار النمل في حقول القمح
ماهي إلا دقائق حتى دوت إنفجارات كهزيم الرعد تصم الأذان فتألم ووضع يديه على أذنيه  
"ماهذا الصوت، ومن أصدره إنه مزعج جداً سبب ليَّ الألم"
أمسكت ذراعه وجذبته ورائي
"لنذهب لمكان هادئ،دعنا نتوغل في هذا العالم أكثر؛نحن في عالم البشر الحقيقي ولسنا في أرض الحكايات
لا تغرنك الزهور الحمراء ولا الملمس الناعم ولا الفراء الأبيض،بل كن يقظاً واحذر ممن تظنه أليف
فقديكون كائن حيٌّ يفترس أخر؛حذاري من الحملان فهي أقنعة مزيفة تخفي تحتها الذئاب أحياناً "
وكأنه لا يصدق ما يرى ويسمع

فتح عينيه دهشة وهو يشاهد أطفال تبكي وأناس تأن ألما،ًعويل نساء تلطم فقدانها غواليها؛رصاص متطاير ونيران ودخان أسود؛صراخ رجال يتراكضون هرباً من مجهول يلاحقهم
لمحت في عينيه الوجل وتجمعت الدموع فيهما واستباحت خديه تسير فوقها
جلس القرفصاء بجانب بضع جثث لأطفال لم يبلغ أكبرهم العشر أعوام بعد،وأصغرهم الرضيع في مهده قد مات،
رمقهم وروحه تعتصر ألماً فطبطبت على كتفه مواسيةً
"أما هذه العصافير الصغيرة المرمية هنا وهناك قتيلة أوجريحة ما هي إلا نتائج غدر وخداع وخيانة وحروب شعواء
ربما كانت جثثهم ناتجة عن قذيفة مجهولة المصدر
أو عن لغم مزروع في إحدى الكروم
لربما كانوا من علاقة سرية محرمة وذبحوا غسلاً للعار وإخفاء للحقيقة
أو ألقوا على قارعة الطريق ليلتهم البرد أفئدتهم الغضة البريئة
ذنبهم الوحيد أنهم أتوا إلي هذه الغابة الموحشة؛المهم ياصديقي هم ضحايا أخطاء الكبار"
فجأة لاح شيء يسقط بقوة من السماء فصرخت
"أركض يا باشق إنها قذيفة "
راحت تهوي وتهوي لتطيح بأبنية عديدة وصوت إنفجارها هز أرجاء الوادي فتناثرت مع الحجارة أشلاء أجساد متطايرة
أمسك برأسه يضغطه بيديه وقد صعق تماماً
"وكأني في كابوس مزعج أريد الاستيقاظ منه ولا أقدر"
إلتفت إليه أرنوه قد أقطب حاجبيه ورسم الحزن سطور الوجع على محياه
عليك أن تعتاد هذه المناظر فكما قلت لك نحن في غاب البشر
في كوكب أصبح كل شيء مباح،كل شيء مسموح،القتل باسم الدين،الذبح باسم الحرية،التهجير القسري باسم البناء والعمران
كل من يخالف هذه الطقوس ينفى من الإنسانية ويسمى متخلف
إسمع الآتي:
يحكى في زمن قديم؛ قديم جداً عاش البشر في تناغم وسلام
فضحك وقال ساخراً
"ممارأيته هنا لا أصدق بأنكم البشر قد تعيشون بسلام يوماً ما "
دون أن أستدير نحوه ووجهي واجم مسحت دمعة هاربة من مقلتي بباطن كفي قلت
"أتضحك لهذا ؟! لن أعجب لضحكك بل لديك كل الحق في الضحك على هذه الحكاية
المهم يارفيقي
تغيرت الأحوال وانقلبت الموازين وتحول بعض البشر إلى ذئاب ووحوش
لا تسأل لمَ؛ إنه الجشع والطمع ،حب السلطة والأنانية؛الغدر والخيانة والمؤامرات
فهرب منهم السلام ذبيح الصدر
مجهول المصير،لا نستطيع أن ننفيهم لأطراف الغابة كما في أرضك،ولا نقدر على حشرهم في بوتقة واحدة؛فهم يعيشون بيننا،يتحول الأخ لعدوٍ لأخيه بسبب فتنة زرعها أحدهم بينهما كما في بلدي.
فيقتل احدهما الآخر ويد الجار ملطخة بدم جاره،أما الأيدي الخفية التي دست دسائسها تصفق بحرارة لنجاح خططها الشيطانية "
سألني مشتت الذهن يفرك بأنامله صدغه وكأنه لا يستوعب كل ماحدثته للتو
"أين نحن بالله عليك يا نايا؟! "
كسر الحزن صوتي وتجمعت الدموع في عيني،اختنقت حروفي في حنجرتي،أجبته وكأن ألم الكون أجمع قد سكنني
"لقد أخبرتك نحن في عالم البشر،حيث سيطر قانون الغاب على مجتمعاتهم
وما دخولي لأرضكم يومياً إلا للبحث عن المدينة الفاضلة تلك الأسطورة القديمة من حكايا جدتي حيث الأمان والسلام والهدوء في ربوعها
حب وود ووئام، يُحترم فيها الكبير
ويُعطف على الصغير،يساعد الغني فيها الفقيردون مَنٍّ ولا أذى؛لا حروب ولا تهجير ولاجوع؛ولاموت جراء البرد القارس؛لا تسألني أين هي
فقد تكون مجرد مخطوطة في رفوف المتاحف
المدينة الفاضلة يا صديقي حلمي وحلم جيل شردته الحروب
حلم كل انسان لايزال يحمل في داخله شيئاً من الإنسانية، حلم كل شخص تعب من بشاعة الواقع الفظيع.
أمسك بيدي يشدها نحو صدره بحنان  
"اعثري عليها يانا بل لتبنيها بنفسك،لتكن أجمل مدينة عرفها البشر، بيدك ويد كل إنسان يحلم بالأمان"
راح يغيب عني شيئاً فشيئاً إلى أن اختفى وصوته بقي في أذني يقول
"مُرَحبٌ بكم في أرضي متى شئتم؛ولكن لتعثروا على مدينتكم الفاضلة الخاصة بكم، عيشوا بتناغم، علموا أولادكم المحبة،ليحب أحدكم لأخيه ما يحبه لنفسه،وليكن جارك صديقك وأخاً لم تلده أمك"
صرخت ليسمعني
"ستبقى المدينة الفاضلة مجرد حلم يا باشق "
أتاني صوته كصدى من مغارة بعيدة
"والأحلام تتحقق بالإصرار يا نايا "
سكنت الحركات واندثرت كل المعالم،ساد الهدوء ربوع المدن والقرى وتجمدت المارة والسيارات،وتوقفت عقارب الساعات عن الدوران ،وكأن الزمن قد توقف.
صدرت أصوات همهمات ووقع أقدام  التفت لأجد آلاف البشر تمد يدها إلي، تناجيني بصوت واحد
"خذي بيدي لنُعمر المدينة الفاضلة"
فعاد صوت باشق يقول
"أرأيت يا نايا،لازال في البشر خير وفير"
تبسمت وصحت له بأعلى صوتي والجمع يتحلق حولي
"سنوجد المدينة الفاضلة يوماً ما؛طالما في الكون إناس طاهرة قلوبها تحب الخير والسلام"
وقفت بينهم مخاطبة :لنعمر هذا الكوكب بيدي وأيدكم ولنحيي السلام من جديد ولتكن الأرض هي مدينتنا الفاضلة

تمت بحمد الله

بقلم نوارة الدمشقية
(نور عبيدة الظاظا الكردي)